ابن عطية الأندلسي

342

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

تعالى بأنه وسع السماوات والأرض ، فقال ابن عباس : كُرْسِيُّهُ علمه ، ورجحه الطبري : وقال : منه الكراسة للصحائف التي تضم العلم ، ومنه قيل للعلماء الكراسيّ ، لأنهم المعتمد عليهم ، كما يقال : أوتاد الأرض ، وهذه الألفاظ تعطي نقض ما ذهب إليه من أن الكرسي العلم ، قال الطبري : ومنه قول الشاعر : تحف بهم بيض الوجوه وعصبة * كراسيّ بالأحداث حين تنوب يريد بذلك علماء بحوادث الأمور ونوازلها ، وقال أبو موسى الأشعري : الكرسي موضع القدمين وله أطيط كأطيط الرحل ، وقال السدي : هو موضع قدميه . قال القاضي أبو محمد : وعبارة أبي موسى مخلصة لأنه يريد هو من عرش الرحمن كموضع القدمين في أسرة الملوك ، وهو مخلوق عظيم بين يدي العرش نسبته إليه نسبة الكرسي إلى سرير الملك ، والكرسي هو موضع القدمين ، وأما عبارة السدي فقلقة ، وقد مال إليها منذر البلوطي وتأولها بمعنى : ما قدم من المخلوقات على نحو ما تأول في قول النبي عليه السلام وفي كتاب اللّه ، وأما في عبارة مفسر فلا ، وقال الحسن بن أبي الحسن : الكرسي هو العرش نفسه . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : والذي تقتضيه الأحاديث أن الكرسي مخلوق عظيم بين يدي العرش ، والعرش أعظم منه ، وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس ، وقال أبو ذر : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت في فلاة من الأرض ، وهذه الآية منبئة عن عظم مخلوقات اللّه تعالى ، والمستفاد من ذلك عظم قدرته إذ لا يَؤُدُهُ حفظ هذا الأمر العظيم ، و يَؤُدُهُ : معناه يثقله ، يقال آدني الشيء بمعنى أثقلني وتحملت منه مشقة ، وبهذا فسر اللفظة ابن عباس والحسن وقتادة وغيرهم ، وروي عن الزهري وأبي جعفر والأعرج بخلاف عنهم ، تخفيف الهمزة التي على الواو الأولى ، جعلوها بين بين لا تخلص واوا مضمومة ولا همزة محققة ، كما قيل في لؤم لوم ، و الْعَلِيُّ : يراد به علو القدر والمنزلة لا علو المكان ، لأن اللّه منزه عن التحيز ، وحكى الطبري عن قوم أنهم قالوا : هو العلي عن خلقه بارتفاع مكانه عن أماكن خلقه . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : وهذا قول جهلة مجسمين ، وكان الوجه أن لا يحكى وكذا الْعَظِيمُ هي صفة بمعنى عظم القدر والخطر ، لا على معنى عظم الأجرام ، وحكى الطبري عن قوم : أن الْعَظِيمُ معناه المعظم ، كما يقال العتيق بمعنى المعتق وأنشد قول الأعشى : وكأن الخمر العتيق من الاس * فنط ممزوجة بماء زلال وذكر عن قوم أنهم أنكروا ذلك وقالوا : لو كان بمعنى معظم لوجب أن لا يكون عظيما قبل أن يخلق الخلق وبعد فنائهم ، إذ لا معظم له حينئذ . قوله عزّ وجل :